موجات العنف

مصنف تحت المميزة, لا للعنف | بواسطة صالح بعبوش

لقد استفحلت في الفترة الأخيرة ظاهرة العنف في العالم العربي بشكل مثير و ملفت للانتباه، لا نقصد بالعنف العنف السياسي أو العنف بين الطوائف، فالعنف واسع و متشعب في مفهومه و أنواعه وأشكاله و طريقة تنفيذه و أهدافه وغاياته، فهو قديم قدم التاريخ.

غير أن المتتبع لأحداث العنف في وقتنا الحاضر، في زمن وقوعها، ومكانها، و وقت اشتدادها، و تتابعها الرهيب، ستودي به إلى أحد أبواب الملاعب، و لا شك في أن الكثيرين ممن تسنت لهم فرصة حضور أحد المباريات كانوا شاهدي عيان على أعمال العنف و الشغب التي أودت بحياة الكثير من المشجعين. وعلى الأرجح أن هذه الأعمال داخل الملاعب لم تكن موجودة من قبل، و إن كانت فإنها ليست كما هي عليه اليوم. فاليوم لا يمكن حصرها فقط في الأعمال الجسدية التي تهدف إلى إحداث خسائر للأشخاص و الممتلكات، فهذا السلوك غير السوي نشاهده في العادة في الملاعب في شكل فعل عنيف مصحوب بانفعالات الغضب و الهياج و المعاداة، كما نراه كذلك في صورة شعارات جارحة، أو ملابس تنكرية ساخرة، أو رسومات و أشكال فيها استهزاء بالخصم و كلها تصب إما في العنف الجسدي أو النفسي.

تتناقل هذه الأيام الصحف و الجرائد أنباء عن وصول خبراء إنجليز إلى الجزائر بطلب من الاتحادية الجزائرية لكرة القدم بهدف شرح الإنجليز لتجربتهم مع ظاهرة العنف، و كيفية مواجهتهم لها.

هذا إن دل فإنّه يدل على الوضع الخطير الذي آلت إليه الأمور، و عن التخوف الكبير من تفاقم ظاهرة العنف في الملاعب، التي أصبحت هاجس كل من يرغب في حضور أحد المباريات.

لكن ما هي أسباب انتشار العنف في الملاعب ؟ هل هو محاولة لإثبات الذات ؟ أم هو مجرد تصور شخصي عن البطولة ؟ أم أنّه تقليد أعمى… ؟

تكمن هذه المشكلة في العادة في طبيعة شخصية الإنسان، في كيفية رؤيته لأفكار الآخرين، و مدى تقبله لها، ففي كثير من الأحيان يشعر الفرد بعدم تقدير الآخرين له، حتى من أقرب الناس إليه، و هذا يدفعه إلى أثبات وجوده، لكن إذا لم يفلح في تحقيق ذلك فسيفقد الثقة في نفسه و في الآخرين، وهذا يٌشعره بالإحباط و التوتر النفسي، فمع تدني المستوى التعليمي لأنّه ببساطة الكثيرين غادروا مقاعد الدراسة في سن مبكرة، و بغياب الوعي الثقافي و الاجتماعي و انعدام التكفل بهذه الطبقة، و هذا ما هو كائن في العالم العربي اليوم، فسيتحول ذلك التوتر النفسي و الإحباط و احتقار النفس إلى تكوين مجموعة من الأفكار الخاطئة عن المجتمع وعن الذات، و التي ستتجسد في العنف في أسوء صوره متى سنحت الفرصة كرد فعل إزاء الإحباط، لكن هذا لا يعني أنّ الإحباط دائما يقود إلى العنف و لكنه يعزز من فرضية وقوعه، و الأخطر من ذلك عندما تشيع حياة اللامبالاة في المجتمع و هكذا تكون الكارثة قد حلت، فمع غلاء العيش و انتشار الفقر و المشاكل الأسرية، فسيبحث هؤلاء عن ملاذ للتنفيس كالملاعب التي أصبحت من أكثر الأماكن استقطابا لهؤلاء الشباب، هذا من جهة، من جهة أخرى وهذا ما نعرفه جميعا أن العنف و العدوان ظاهرة مكتسبة عن طريق الملاحظة يتعلمها الأفراد و يتناقلونها كحب للظهور و السيطرة على الآخرين، و دون أن نَغْفَل عن كون الملعب أرضية خصبة لتجسيد مثل هذه الأفكار، فإنّ شيوع ظاهرة العصبية القبلية “هذا من حُومتنا و هذا بَرّاني”، كان سببا رئيسيا و مباشرا في حدوث العنف في الملاعب، فظاهرة العصبية القبلية التي كنا نسمع عنها في العصور القديمة و في العصر الجاهلي تعود اليوم في شكل صراع بين فريقين:”إِن كنت من فريقنا فمرحباً بك و إلاّ فالويل لك”.

هذه بعض أسباب العنف و التي لا ينبغي حصرها في هذه الأسطر فقط، فهي معقدة و تحتاج إلى محللين و خبراء في هذا المجال.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن تغيير أفكار هؤلاء الشباب ؟ و هل من إمكانية للتخلص من هذه الظاهرة أو حتى تخفيف حدتها ؟

إنّ رفع الوعي بشكل مستمر عن طريق الإعلام و الصحافة غالبا ما يكون له أثر كبير في تغيير نظرة الشباب نحو أعمال العنف، لكن هذا لا يكفي، لأن تغيير الذهنيات أمر صعب التحقيق، كما لن ينال إعجاب الكثير من المشجعين الذين انصهروا في العنف بكل صوره و أصبحوا جزء لا يتجزأ منه.

فالحل الوحيد برأينا هو تطبيق قوانين صارمة تكون رادعا لمثل هذه التصرفات، على أن نكون إنسانيين، فلا يجوز بأي حال من الأحوال تحميل الآخرين أخطاءً لم يقترفوها، لأجل هذا إليكم أهم ما جاء به الإنجليز من حلول لمحاربة العنف داخل الملاعب، وهذا نقلا عن الشروق أونلاين:

1- إلزامية التعاون بين الشرطة وعائلة الكرة.

2- إلزامية تطبيق الفِرَق لدفتر شروط تُقدمه الدولة خاص بنبذ العنف.

3- تقديم دليل أخضر للفِرَق يُحترم بحذافيره.

4- التعرف على كل مناصر قبل دخوله للملعب، وهذا باستعمال كاميرات التصوير.

5- تعيين شرطي في كل فريق مهمته التعرف على المشجعين الذين يقومون بأعمال العنف.

6- منع الأنصار المشاغبون من حضور المباريات.

7- مسؤولية الشرطة في توفير السلامة للأنصار خارج الملعب فقط ، وهذا بتفريق المشجعين في الشوارع.

8- الحرص على عدم تأخر مباريات كرة القدم لأن أي تأخر يعني شرب كمية أكثر من الكحول مما يعني كثرة أعمال العنف.

9- تحديد مواعيد انطلاقة المباريات الصعبة بدقة فمثلا لقاء محلي تكون انطلاقته على الساعة12 لأن الشارع يكون فارغا.

10- نزع بطاقة الانخراط من المناصرين المشاغبين .

11- عندما يكون اللقاء صعب يجب على المناصرين المتنقلين، امتطاء الحافلات إلى غاية أبواب الملعب والذي يرفض لن تسلم له تذكرة المباراة.

12- إلغاء المدرجات التي يبقى فيها المناصرون واقفين، وإلزامية الجلوس أثناء التشجيع.

13- ممنوع التدخين في الملاعب .

14- مدرجات خاصة للعائلات .

15- نزع الحاجز الذي يفصل بين المدرجات وأرضية الملعب لأنه يتسبب عادة في موت بعض الأنصار مع فرض عقاب شديد يتمثل في منع أي مناصر يدخل أرضية الملعب من الدخول لثلاثة مواسم.

16- بناء قاعة للمراقبة في كل ملعب .

17- مهمة عون الملعب حماية الأنصار وليس مشاهدة اللقاء.

وختاما نرجو ونأمل أن تلقى هذه الرسالة آذانا صاغية و أن تُؤخذ هذه الأفكار و هذه الآراء بمحمل من الجد، فهدفنا الأول و الأخير هو التغيير إلى الأفضل و ليس بِعيب أن نتعلم من غيرنا.

الاوسمة:

مواضيع مشابهة

  • لاتوجد مواضيع مشابهة

إنشر الموضوع

RSS Digg Twitter StumbleUpon Delicious Technorati facebook reddit linkedin Google

التعليقات

  1. medalia

    23 مايو,2010

    صحيح العنف ضد الأخلاق و ضد الروح الرياضية،شكرا على الموضوع

  2. هجيرة

    24 مايو,2010

    موضوع مميز و في المستوى واصل،حتى الأهداف نبيلة

أضف تعليق

إحصل على صورة